في ليلة شتاء باردة من ليالي الرياض، كنّا نجلس أنا وزوجتي في حديقة هادئة بجانب المنزل نتأمّل السماء. كنّا بالكاد نرى نجمة او اثنتين وسط هالة ضوء المدينة العملاقة الّتي تحيط بها فتحجب أغلب النجوم في السماء. كانت تلك الهالة الضوئية تحجب عظمة الكون.
بينما كنّا نمعن النظر، أردت أن أريها نجم “أنتارس” الأحمر، لكنّها لم تستطع تحديد موقعه رغم إشارتي الواضحة إلى موقعه. أخبرتها حينها عن حقيقة بصرية مثيرة: لرؤية نجم خافت بوضوح، يجب ألّا تنظر إليه مباشرة. عليك أن تنظر بمحاذاته قليلاً.
الرؤية غير المباشرة
تفسير هذه الظاهرة يكمن في عمق بنية أعيننا. وظيفة العين هي تجميع الضوء من المصدر ثمّ تحويلها الى إشارات عصبيّة تنتقل الى فصّ الرؤية في الدماغ لكي نستوعبه في وعينا. إلّا أنّ هذه العملية غير مباشرة ومثل النجوم، الوضوح قد لايعتمد على الرؤية المباشرة خصوصا في حالات العتمة.
يرجع السبب في ذلك إلى حقيقة أنّ الخلايا المسؤولة عن الرؤية في الإضاءة الخافتة (الخلايا العصوية) تتوزّع بكثافة على أطراف الشبكية وتكاد تنعدم في منتصفها، بعكس “الخلايا المخروطية” التي تتركّز في المنتصف والمسؤولة عن رؤية الألوان والتفاصيل في الضوء الساطع.
بعبارة أخرى، لتحصيل أقصى درجات الإدراك في الظلام، يجب علينا أن نستخدم الأطراف. يمكنك تجربة ذلك إذا كنت في غرفة مظلمة وأردت أن ترى أي غرض امامك، انظر بمحاذاته وستراه فجأة بشكل أوضح!
هذه ليست مجرد حيلة بصرية؛ بل هي استعارة قوية لكيفية إدراكنا للمعاني الحقيقية في محيطنا العملي والإنساني.
هالة التفاصيل وحجب المعنى
كثيراً ما لاحظت أن المعاني الحقيقية وراء الكثير من المواقف التي نمر بها في حياتنا اليومية تشبه تلك النجوم البعيدة: هي مخفية وراء هالة من التفاصيل والمظاهر الساطعة.
طبيعة التفاعل الإنساني، خاصّة في بيئات العمل المعقّدة، هي في جوهرها تفاعل غير مباشر في اغلب الأحيان. كثير مما يُقال قد لا يُقصد به معناه الحرفي والمباشر، وقد يعبّر الشخص أحياناً بعكس ما يعنيه تماماً. فعندما يقول زميل لك: “لا، أموري تمام وليس هناك أي مشكلة”، بينما تبدو على وجهه علامات الإجهاد، فإن هذه العبارة قد تكون مثل وهج المدينة: تحجب حقيقة أن هناك تحدّياً أو إحباطاً كامناً يحتاج إلى اهتمامك.
في كثير من الأحيان، يكون المغزى الحقيقي لطلب ما أو رد فعل ما لا يكمن في سياق الكلمات الظاهر، بل في سياق ما وراءها: نبرة الصوت، لغة الجسد، التوقيت، أو ما تمّ إغفاله.
التركيز على المحاذاة بدلاً من المركز
لتحسين كفاءتنا الوظيفية وإدراكنا للأحداث، علينا أن نتبنى “الرؤية غير المباشرة” كمنهج، فالرؤية الجانبيّة في الحقيقة لا تقتصر فقط على الأعين, بل تمتدّ حتّى الى عقولنا وتفكيرنا.
مثلا في المواقف اليومية وفي أفعال الناس وفيما يقولونه، علينا أن ننظر إلى جانب الفعل أو القول قليلاً لنرى المعنى بشكل أوضح. هذا يتطلّب تفعيل “الخلايا العصوية” في انتباهنا—تلك القدرة على ملاحظة الظلال والتفاصيل الهامشية.
في فهم الأداء ايضا قد لا يكمن السبب الحقيقي لتدهور أداء فريقك في نقص التدريب (المركز الساطع)، بل في ثقافة الصمت أو غياب التقدير (المحاذاة الخافتة).
لذلك, احيانا في حلّ المشكلات المعقّدة قد لا يكون افضل حلّ هو في محاولة تفكيكها مباشرة، بل في تأمّل الآثار الجانبية والظروف المحيطة بها.
من هو المحترف الحقيقي؟
المحترف الحقيقي ليس فقط من يرى الضوء الساطع في المركز، بل هو من يستطيع أن يرى النجوم الخافتة المحيطة به.
فعندما نتعلم أن ندير انتباهنا ليرى المحيط، فإننا ننتقل من مجرّد سماع الكلمات إلى فهم القصص، ومن معالجة السطح إلى إدراك الجوهر.
وهذه النظرة الجانبية هي مفتاح العمق.
الكاتب: عبدالله الزهراني
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى
اطلع على بودكاست المستشار عبدالإله برناوي:
التمركز المهني: هل تستهدف الجميع أم عميلك المثالي | بودكاست بترولي
