في إحدى المناسبات المهنية المخصصة لاستعراض الكفاءات، صعدت إحدى المتدربات إلى المنصة لتعرض حالتها العملية. كان أداؤها، بكل المقاييس، نموذجاً للكفاءة؛ فقد نجحت ببراعة في تبسيط المعلومات المعقدة وعرضها بتسلسل منطقي يسهل استيعابه، مبديةً تفانياً واضحاً في الإلمام بكل جوانب عملها.
لكن الموقف أخذ منحىً غير متوقع أثار دهشتي ومن حولي. عندما قاطعها أحد المحكّمين بطرح سؤال بدا للوهلة الأولى عميقاً ومصاغاً بكلمات رنانة، لكنه في الحقيقة لم يكن ينطبق على سياق تلك الحالة المعينة على الإطلاق. كان السؤال أشبه بقطعة “بازل” تنتمي لصورة أخرى تماماً، دخيلة على المشهد.
ارتبكت المتدربة قليلاً وهي تحاول عبثاً إيجاد رابط منطقي بين سؤال المحكّم “النظري” وبين “واقع” حالتها العملية. ومما يؤسف له أن هذا الارتباك اللحظي أثر سلباً في التقييم النهائي لأدائها المتميز، رغم أنها كانت الطرف الأكثر اتصالاً بالواقع.
وهم المعرفة
بينما كانت المتدربة تحاول التعامل مع الموقف، سرحت بفكري في هذا المشهد المتكرر في اجتماعاتنا وقاعاتنا: لماذا نتمسك أحياناً بكلمات لا تخدم المعنى؟
هذا الموقف يعيدنا إلى نقطة جوهرية ناقشها الفلاسفة طويلاً حول “وهم المعرفة”. هناك فارق ضخم بين “معرفة اسم الشيء” وبين “معرفة الشيء نفسه”.
كثير من الناس في بيئات العمل يقعون في فخ الاعتقاد بأن قدرتهم على استحضار المصطلحات المعقدة، أو تكرار العبارات الدارجة (Buzzwords) ، تعني بالضرورة أنهم يفهمون الجوهر.
بينما الفلاسفة يحذروننا دائماً من الخلط بين “الخريطة” و”الأرض”. الكلمات والمصطلحات هي مجرد “خرائط” وصفية، وليست هي “الأرض” الواقعية.
في قصتنا، كان المحكّم يحمل “خريطة” (سؤاله النظري) وحاول فرضها على “أرض” مختلفة تماماً (حالة المتدربة)، فحدث التنافر. التظاهر بالفهم عبر استخدام مصطلحات رنانة هو محاولة لرسم خريطة جميلة، لكنها لا تهدي أحداً في أرض الواقع.
لماذا يحدث هذا؟
لإنصاف الجميع، قد لا يكون الدافع دائماً هو الغرور أو الرغبة في الاستعراض، بل قد يكون ما نسميه “العمى السياقي” (Contextual Blindness) الناتج عن طريقة عمل أدمغتنا.
من منظور علم الأعصاب، العقل البشري يميل إلى “توفير الطاقة” عبر الاعتماد على الأنماط والقوالب الجاهزة (Heuristics).
فعندما يصل شخص ما إلى منصب قيادي وتتراكم لديه الخبرات، يبدأ عقله بتكوين “مكتبة” من الأسئلة والعبارات الجاهزة التي تبدو ذكية وفعالة.
في لحظة تشتت، أو رغبة سريعة في المشاركة، يسحب العقل أحد هذه القوالب الجاهزة ويطلقها دون فحص دقيق لمدى ملاءمتها للسياق الحالي. هو يسمع كلمة مفتاحية، فيطلق رداً معلّباً، ظاناً أنه يشارك بفعالية، بينما هو في الحقيقة منفصل عن اللحظة.
العودة إلى الجوهر
الدرس الذي يحمله هذا الموقف لنا جميعاً كمحترفين هو أهمية “الحساسية السياقية”.
فالاحترافية ليست في ما يحفظه البعض من مصطلحات، بل في مدى ملاءمة ما يقولونه للموقف الذي أمامهم. الحكمة الحقيقية تكمن في القدرة على التمييز: متى نستخدم المصطلح النظري، ومتى نتركه جانباً لنخاطب الواقع بلغة بسيطة ومباشرة.
لنتذكر دائماً: الكلمات جسور للمعنى، فإذا لم توصلك الكلمة إلى فهم أو حل، فهي مجرد جدار عازل، مهما بدا رنينها جميلاً.
الكاتب: عبدالله الزهراني
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى
اطلع على بودكاست المستشار عبدالإله برناوي:
التمركز المهني: هل تستهدف الجميع أم عميلك المثالي | بودكاست بترولي
