من طبيعة الحياة العملية، أن نجد أنفسنا في مواجهة مواقف تتطلب حَسماً سريعاً.
وأنا كنت في إحدى هذه المواقف قبل فترة قصيرة، موقف يتطلّب قراراً حاسمًا وسريعًا، ولكنني آثرتُ تأجيله.
بدا التأجيل حينها كنوع من الراحة أو منح النفس مزيداً من الوقت لرؤية الصورة الكاملة. لكن الثمن لم يتأخر.
لم يمر وقت طويل حتى ظهرت تبعات ذلك التأجيل. ما كان يجب أن يكون قراراً واحداً، أصبح فجأة سلسلة من القرارات الأخرى الاضطرارية، والتي يجب اتخاذها لمعالجة الآثار الجانبية المترتبة على ذلك التلكؤ.
هذا الموقف يضيء حقيقة عميقة: في الحياة والعمل، لا يوجد شيء اسمه “تجميد الموقف”. لأن المماطلة لا توقف سير الزمن، بل تسمح له بالعمل ضد مصالحنا.
ما هو القرار؟
دعونا نتفق أولاً على تعريف القرار. القرار هو القيام بخطوات وأعمال متجهة نحو هدف محدد، ويتم ذلك عبر الاختيار الواعي بين مجموعة خيارات محتملة.
إذًا النية وحدها ليست قراراً. فقد تنوي أن تبدأ مشروعاً أو تغير استراتيجية، لكن القرار الفعلي يتجسد في الحركة والبدء والاختيار.
لكن النقطة الجوهرية التي غالباً ما نتغافل عنها هي: عدم اتخاذ قرار هو قرار في حد ذاته. عندما تمتنع عن الاختيار، فأنت فعلياً تختار المسار الذي ستفرضه عليك الظروف، وهو غالباً المسار الأقل كفاءة.
تكلفة الثبات: القرار السلبي
عندما نؤجل الاختيار، فإننا عملياً نختار الثبات على الوضع الراهن أو نختار أن تفرض علينا الظروف مسارها. هذا “القرار السلبي” (اللا-قرار) يفرض دائماً ثمناً باهظاً، وهو ما يُعرف في عالم الأعمال بإسم تكلفة الفرصة الضائعة (Opportunity Cost) والتي تكلمنا عنها في مقالة سابقة ولكن هناك تأثير مضاعف:
-
- استهلاك الموارد الذهنية: القرار المُعلّق يظل كـ”ملف مفتوح” في الخلفية، مستنزفاً جزءاً من انتباهك وطاقتك الذهنية باستمرار. هذه الطاقة كان يمكن توجيهها نحو مهام بناءة وحاسمة. إن التفكير المستمر في الموقف المعلق يقلل من قدرتك على التركيز واتخاذ قرارات فعالة في مجالات أخرى.
- خسارة الزخم والفرصة: إذا كنت في بيئة تنافسية، فالوقت هو المورد الأكثر ندرة. تأجيل قرار قد يعني أن نافذة الفرصة التي كانت متاحة قد أغلقت، أو أن زميلاً أو منافساً قد حسم أمره واستحوذ على الميزة. الثواني التي تفصل بين “التفكير” و”التنفيذ” هي في الواقع لحظات حاسمة.
- تضاعف التعقيد (تأثير كرة الثلج): كما حدث في الموقف السابق، تأجيل قرار بسيط يحوّله إلى مشكلة متداخلة تتطلب سلسلة من القرارات الأصعب والأكثر إجهاداً لحلها. عدم التحرك يترك للمتغيرات الخارجية مجالاً أكبر للتدخل والعبث بالمسار. فيصبح ما كان يمكن حله بتعديل بسيط بالأمس، يحتاج اليوم إلى إعادة هيكلة كاملة.
- تآكل الثقة: سواء كانت ثقتك بنفسك أو ثقة فريقك وقادتك بك، فإن التردد والمماطلة يرسلان رسالة سلبية عن القدرة على الحسم والقيادة. القادة الفاعلون هم من يتحملون مسؤولية الحسم والتحرك.
مبدأ الحركة كضرورة فلسفية
إن إدراك أن “عدم اتخاذ القرار هو قرار في حد ذاته” يحررنا من وهم المماطلة المريح. إنه يجبرنا على التحرك والاختيار، حتى لو كان الاختيار غير مثالي. الفيلسوف الإغريقي القديم أرسطو كان يؤمن بأن الفضيلة تكمن في الفعل. وبالمثل، في بيئة العمل المعاصرة، تكمن الكفاءة في الحركة.
بين الثبات والحركة
في عالم يتسارع، الثبات ليس حياداً؛ إنه اختيار التخلف عن الركب. فالفعالية والكفاءة لا تكمنان في اتخاذ القرارات “المثالية” —لأنها نادرة— بل في اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب.
تذكر دائماً: القرار المؤجَّل لم يُلغَ، بل تحوّل إلى قرار “بترك الأمور تسوء”، وهي كلفة لا يستطيع تحملها أي محترف يسعى للكفاءة.
لذا… تحمّل مسؤولية الحسم اليوم لتتجنب كلفة الإلزام غداً، والتي قد تكون غالية…
الكاتب: عبدالله الزهراني
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى
اطلع على بودكاست المستشار عبدالإله برناوي:
التمركز المهني: هل تستهدف الجميع أم عميلك المثالي | بودكاست بترولي
