هل سبق وأن شعرت في نهاية يوم عمل طويل بعجز تام عن اتخاذ أبسط القرارات، مثل اختيار وجبة العشاء أو الرد على بريد إلكتروني روتيني؟ رغم أنك لم تبذل مجهوداً عضلياً، إلا أنك تشعر بإنهاك عميق.
هذا ليس مجرد تعب عابر؛ إنه ظاهرة عصبية ونفسية تُعرف بـ “إرهاق القرار” (Decision Fatigue).
في عالم الأعمال، نتقاضى أجورنا مقابل جودة قراراتنا، لا مقابل عدد الساعات التي نقضيها خلف المكاتب. لذا، فإن فهم آلية عمل أدمغتنا وكيفية إدارة “طاقة القرار” ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وظيفية.
علم الأعصاب: التكلفة البيولوجية للاختيار
من منظور علم الأعصاب، عملية اتخاذ القرار ليست مجانية. مركز القيادة في دماغك هو “قشرة الفص الجبهي” (Prefrontal Cortex)، وهي المنطقة المسؤولة عن الوظائف التنفيذية، التركيز، وكبح الاندفاعات.
تعمل هذه المنطقة بوقود محدود (الجلوكوز والناقلات العصبية). المثير للدهشة هو أن الدماغ لا يفرق كثيراً في التكلفة البيولوجية بين القرارات الكبيرة والقرارات التافهة.
سواء كنت تقرر استراتيجية الشركة للعام القادم، أو تختار لون القميص الذي سترتديه، أو تقاوم رغبة في تصفح هاتفك؛ كل هذه العمليات “تخصم” من رصيدك الذهني اليومي.
عندما ينخفض هذا الرصيد، يميل الدماغ تلقائياً للحفاظ على الطاقة عبر طريقتين خطيرتين على المحترفين:
- التهور: اتخاذ قرارات متسرعة دون دراسة (لإنهاء الموقف).
- التجنب: تأجيل القرار تماماً (مما يراكم الضغوط لاحقاً).
الفلسفة: البحث عن “الجوهرية”
إذا كان العلم يخبرنا أن طاقتنا محدودة، فإن الفلسفة تعلمنا أين نوجه هذه الطاقة.
هنا يبرز مفهوم “الجوهرية” (Essentialism)، الذي لا يعني القيام بالمزيد في وقت أقل، بل القيام بالأشياء الصحيحة فقط.
فلاسفة الرواقية (Stoicism) أدركوا مبكراً أن الحرية الحقيقية لا تكمن في كثرة الخيارات، بل في القدرة على التركيز على ما يقع تحت سيطرتنا المباشرة وإهمال ما عداه. كل قرار “تافه” تتخذه هو بمثابة ضوضاء تشوش على القرارات “الجوهرية”.
إن العظماء الذين نراهم يرتدون نفس الملابس يومياً أو يتبعون روتيناً صارماً لا يفتقرون للإبداع، بل هم يطبقون فلسفة “إزالة الاحتكاك”. هم يحيدون القرارات الصغيرة للحفاظ على مخزونهم الذهني للمعضلات الكبرى التي تتطلب حكمة وبصيرة.
استراتيجيات عملية لحماية طاقتك الذهنية
لتحويل هذه المفاهيم إلى واقع وظيفي يرفع من كفاءتك، إليك ثلاث استراتيجيات لتقليل “إرهاق القرار”:
-
- قدسية الصباح (أنجز الأهم أولاً):
بما أن خزانك الذهني ممتلئ في الصباح، خصص الساعات الأولى للمهام التي تتطلب تفكيراً استراتيجياً وإبداعاً عالياً. لا تهدر هذه الطاقة الثمينة في الرد على الإيميلات الروتينية أو الاجتماعات الإدارية الهامشية. - الأتمتة والروتين (قلل المتغيرات):
حول القرارات المتكررة إلى عادات تلقائية. حدد مسبقاً مواعيد اجتماعاتك، وجباتك، وحتى ملابس عملك. كلما قللت من عدد المرات التي تسأل فيها نفسك “ماذا علي أن أفعل الآن؟”، كلما زادت طاقتك للإجابة على سؤال “كيف ننمو ونبتكر؟”. - قاعدة “جيد بما يكفي” (Satisficing):
ليس كل قرار يحتاج إلى الكمال. حدد القرارات المصيرية التي تستحق 100% من طاقتك، وتعامل مع باقي القرارات بمبدأ “جيد بما يكفي”. السعي للمثالية في التفاصيل الصغيرة هو العدو الأول للكفاءة.
- قدسية الصباح (أنجز الأهم أولاً):
ختاماً
قدرتك على اتخاذ القرار هي أصل من أصولك المهنية، وهي مورد ناضب يتجدد يومياً. الإدارة الذكية ليست فقط في إدارة وقتك، بل في إدارة طاقتك الذهنية. احمِ هذا المورد، ولا تنفقه إلا فيما يستحق، لتضمن أن قراراتك الحاسمة تصدر عن عقل صافٍ ورؤية ثاقبة.
الكاتب: عبدالله الزهراني
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى
