لماذا تدفع الجدران بينما يُفترض بك بناء جسر؟

شارك

قد تجد نفسك تصل إلى نهاية يوم عملك، تنظر إلى ساعتك لتجد أنك قضيت تسع ساعات متواصلة في المكتب. لقد أرسلت عشرات الردود عبر البريد الإلكتروني، وتواجدت في ثلاثة اجتماعات، وشاركت في نقاشات لا حصر لها عبر تطبيقات المراسلة. تشعر بإنهاك جسدي وذهني حقيقي يجعلك تعتقد أنك كنت بطلاً اليوم.

ولكن، عندما تختلي بنفسك وتسأل: “ما هو التقدم الحقيقي الذي أحرزته في مشروعي الأهم؟”
، تكتشف بصدمة أن الإجابة تقترب من الصفر. لقد كنت طوال اليوم تركض بأقصى سرعتك، لكنك لم تبرح مكانك.

 

هذا التناقض المؤلم بين الجهد المبذول والنتيجة المحققة يضعنا أمام فخ مهني خطير — وهو الخلط بين “الانشغال” (Busyness) و “الإنتاجية” (Productivity).

 

الفكرة المركزية هنا هي أن الانشغال ليس دليلاً على الأهمية أو الكفاءة؛ بل هو غالباً أداة دفاعية لا واعية نستخدمها للتهرب من المهام الاستراتيجية الصعبة. ولهذا يُقاس الانشغال بحجم المهام (الكم)، بينما الإنتاجية تُقاس بحجم الأثر (النوع).

 

قــانون الشغل

لتبسيط هذا المفهوم، دعونا نستعير بقانون “الشغل” (Work) من علم الفيزياء.

في الفيزياء، يُحسب الشغل عبر ضرب القوة في الإزاحة (Work = Force × Distance).

تخيل أنك تقف أمام جدار خرساني ضخم، وتدفعه بكل ما أوتيت من قوة لمدة ثماني ساعات. سوف تتصبب عرقاً، وتتمزق عضلاتك، وتستنزف كامل طاقتك. لقد بذلت جهداً خرافياً (انشغال)، ولكن بما أن الجدار لم يتحرك من مكانه سنتيمتراً واحداً (الإزاحة تساوي صفراً)، فإن علم الفيزياء يخبرك ببرود أن الشغل الذي أنجزته رياضياً وعملياً يساوي “صفراً”.

الانشغال هو دفع الجدار؛ أما الإنتاجية فهي دفع عربة محملة نحو وجهتها النهائية.

ولكن، لماذا تقع عقولنا في هذا الفخ وتفضل “دفع الجدران”؟ الإجابة تكمن في تركيبة أدمغتنا…

 

أولاً — فخ الدوبامين السريع

المهام البسيطة والروتينية (مثل مسح صندوق الوارد أو الرد على الرسائل القصيرة) تمنح الدماغ جرعات سريعة من الدوبامين مع كل علامة ✓ تضعها بجانب المهمة.

في المقابل، “العمل العميق” والتفكير الاستراتيجي يستهلكان كميات هائلة من الجلوكوز ويشكلان عبئاً معرفياً ثقيلاً (Cognitive Load). ولأن الدماغ البشري مبرمج للحفاظ على الطاقة، فإنه يخدعك لاختيار المسار الأسهل الذي يوفر لك شعوراً مزيفاً بالإنجاز السريع.

 

ثانياً — حكمة النمل

يقول الفيلسوف والكاتب هنري ديفيد ثورو: “ليس كافياً أن تكون مشغولاً، فالنمل مشغولٌ كذلك”.

لذا يصبح هنا السؤال الأهم هو:“بم نحن مشغولون؟”.

الفلسفة الرواقية تعلمنا أن نُخضع كل فعل لاختبار الجوهرية. المهني العادي يقيس يومه بساعات العمل، بينما المهني الاستراتيجي يقيس يومه بالنتائج التي تقربه من أهدافه الكبرى.

 

ثالثاً — الانشغال كدرع للتوتر

في ثقافة العمل الحديثة، أصبح “الانشغال” وسام شرف يعلق على الصدور للتباهي.

نحن نملأ جداولنا بالمهام الهامشية لنشعر بأننا مرغوبون ومهمون، ونستخدم هذا الضجيج المهني كدرع يحمينا من مواجهة حقيقة قاسية: القلق من الفشل في المشاريع الكبرى.

لكن المشكلة أن هذا الدرع، مع الوقت، لا يحمينا فقط من الخوف… بل يحمينا أيضًا من التقدم.

يجعلنا نتحرك كثيرًا دون أن نقترب من الشيء الأهم. وهنا يصبح السؤال العملي: كيف نكسر هذا النمط قبل أن يبدأ اليوم؟

 

للخروج من عجلة الانشغال الوهمي، ابدأ يومك غداً بتطبيق “قاعدة الثلاثة” — قبل أن تفتح بريدك الإلكتروني أو ترد على أي رسالة، حدد أهم ثلاث مهام استراتيجية إذا أنجزتها اليوم سيكون يومك ناجحاً وذو أثرٍ حقيقي. لا تمنح انتباهك للمهام “العاجلة” قبل أن تقتطع نصيب المهام “المهمة”.

 

في النهاية…

لقد أدركنا في أوفيس ستيشن أن جزءًا كبيرًا من الانشغال لا يأتي من كثرة المهام وحدها، بل من مساحة لا تساعدك على التمييز بين ما يحتاج حضورك فعلًا، وما يسرق انتباهك دون أن تشعر.

ففي العمل من المنزل، قد لا تكون المقاطعة صوتًا عاليًا أو اجتماعًا مفاجئًا؛ قد تكون كرسيًا غير مريح، طاولة غير عملية، أو مكانًا يجعلك حاضرًا بجسدك وغائبًا بتركيزك.

لذلك، بدأنا ننظر لمساحة العمل كعامل خفي في جودة يومك؛ إما أن تدفعك نحو الجدار، أو تساعدك على بناء الجسر…

 

الكاتب: عبدالله الزهراني

تحرير وإعداد: إنعام مصطفى

التعليقات (0)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

أحيانًا تحس إنك تعبان..

لكن ما تقدر توقف لأنك تحاول تصنع شيء، بس البيئة ما تساعدك!