لماذا تعمل بنصف كفاءتك الذهنية؟

شارك

تخيّل أنك تخرج من اجتماع عاصف لمناقشة خطة الربع القادم. وفي الممر القصير العائد إلى مكتبك، تخرج هاتفك لتلقي نظرة “سريعة” على صندوق الوارد، وترد على رسالتين عاجلتين في واتساب العمل. تجلس أخيرًا أمام شاشتك للبدء في كتابة مسودة المشروع الذي خططت لإنجازه اليوم. تضع يديك على لوحة المفاتيح… لكن الكلمات لا تأتي.

تشعر بضبابية غريبة، وكأن ذهنك يعمل بنصف طاقته، رغم أن الساعة لم تتجاوز الحادية عشرة صباحًا.

هذا الإرهاق المبكر ليس كسلاً، ولا يعالج بمزيد من الكافيين. أنت تدفع الآن ضريبة عصبية باهظة تُعرف بـ “بقايا الانتباه”.

الفكرة تقول إن القدرة على الانتقال السريع والمستمر بين المهام ليست ميزة تنافسية كما توهمنا ثقافة العمل الحديثة، بل هي ممارسة تمزق انتباهك وتترك جزءًا من عقلك عالقًا في الماضي مع كل انتقال.

 

بقايا الانتباه

لفهم هذه الظاهرة، تخيّل أن عقلك يشبه قانون “القصور الذاتي” في الفيزياء. إذا كنت تقود سيارتك بسرعة 120 كيلومترًا في الساعة باتجاه الشمال، لا يمكنك فجأة وبلمحة بصر أن تنطلق بنفس السرعة باتجاه الجنوب. تحتاج أولاً إلى التباطؤ، التوقف التام، الالتفاف، ثم التسارع من جديد. العقل البشري يمتلك “زخمًا معرفيًا” مشابهًا — فهو يرفض التوقف المفاجئ.

علم الأعصاب يفسر لنا هذه الآلية بوضوح. أثبتت أبحاث الدكتورة صوفي ليروي (Sophie Leroy) أنك حين تنتقل من المهمة (أ) إلى المهمة (ب) قبل أن تنهي الأولى تمامًا، فإن شبكاتك العصبية لا تنفصل عن المهمة (أ). تظل أجزاء من قشرتك الدماغية تعالج أرقام الاجتماع السابق أو تفكر في الرد على البريد المعلق. النتيجة أنك تبدأ المهمة (ب) بجزء بسيط فقط من سعتك المعرفية، مما يؤدي إلى انخفاض حاد في سرعة المعالجة وجودة اتخاذ القرار.

هذه الحقيقة البيولوجية تتقاطع مع المفهوم الفلسفي الياباني في حكمة الزن “إيتشيغيو زانماي” (Ichigyo-zammai)، الذي يعني الانغماس الكامل والقيام بشيء واحد فقط في كل مرة. فلسفة الزن تقول: عندما تمشي، فامشِ فقط. وعندما تكتب، فاكتب فقط. التواجد الكلي في اللحظة الحالية ليس مجرد ممارسة روحية، بل هو الطريقة الوحيدة للوصول إلى الإتقان المهني وتقليل المعاناة الذهنية.

 

التكلفة في بيئة العمل

إن تجاهل مفهوم “بقايا الانتباه” يكلفنا الكثير، ويظهر ذلك في بُعدين رئيسيين.

أولاً — وهم “النظرة السريعة”: المهني الذي يقطع جلسة العمل العميق ليلقي نظرة خاطفة لمدة 30 ثانية على بريده الإلكتروني، لا يخسر نصف دقيقة فقط. إنه يخلق “حلقة مفتوحة” تترك بقايا انتباه تُلوّث العشرين دقيقة التالية من عمله.

ثانيًا — القيادة نصف الحاضرة: القائد الذي يدخل اجتماع تقييم أداء مع فريقه بينما لا يزال عقله يعالج أزمة مالية من الاجتماع السابق، هو قائد مدمر للأمان النفسي. الحضور الجسدي بلا حضور ذهني يرسل رسالة مربكة للطرف الآخر.

للتخلص من بقايا الانتباه، يجب أن تتوقف عن التخطيط لمهامك فقط، وتبدأ في التخطيط لـ “الفواصل” بينها. لا تنتقل من اجتماع إلى مهمة معقدة فورًا — خذ دقيقتين لإغلاق دفتر ملاحظاتك، خذ نفسًا عميقًا، وافصل ذهنيًا عن المهمة السابقة قبل البدء في الجديدة.

هذا التحدي البيولوجي هو ما دفعنا في أوفيس ستيشن إلى تصميم مساحاتنا بوعي كامل بكيفية عمل الدماغ البشري.

 

في النهاية…

الفاصل بين المهام ليس وقتًا ضائعًا — هو الثمن الذي يدفعه دماغك كي يصل إلى المهمة التالية بكامل طاقته. ومن أبسط ما يساعد على هذا الفصل: أن تغيّر وضعك الجسدي. تقوم، تتحرك، تُعيد ضبط المساحة من حولك — وتمنح دماغك الإذن بأن ينطلق.

 

 

الكاتب: عبدالله الزهراني

تحرير وإعداد: إنعام مصطفى

التعليقات (0)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

أحيانًا تحس إنك تعبان..

لكن ما تقدر توقف لأنك تحاول تصنع شيء، بس البيئة ما تساعدك!