مو كل تعب سببه الشغل

شارك

هناك نوعٌ من التعب يصعب شرحه، لأنه لا يأتي بعد مصيبةٍ واضحة، ولا بعد مشروعٍ استثنائي، ولا بعد أسبوعٍ انقلب رأسًا على عقب. بل يأتي بعد أيامٍ تبدو في ظاهرها عادية جدًا، تمضي فيها الأعمال كما ينبغي، ولا يقع فيها شيء كبير يستحق كل هذا الإنهاك.

ومع ذلك يرجع الإنسان منها مثقلًا، كأن اليوم لم يمرّ عليه فقط، بل استهلكه على مهل.

حتى إذا انتهى لم يجد عنده تفسيرًا مقنعًا لهذا الثقل، فيقول في نفسه بسرعة: الشغل كثير، والضغط مرتفع، وهذه طبيعة المرحلة — ثم يمضي، مع أن الحقيقة أحيانًا ليست بهذه البساطة.

ليس كل تعبٍ سببه الشغل نفسه. وبعض ما نظنه أثرًا طبيعيًا للمسؤولية والإنجاز، هو في الواقع أثرُ أشياء صغيرة تتكرر بصمت حتى تجمع علينا كلفةً لا نراها: كطريقة الجلوس، وكثرة المقاطعات البصرية، والفوضى المتناثرة، وسوء توزيع الأدوات، والشدّ الجسدي الذي لا يبلغ درجة الألم الصريح لكنه لا يترك الجسد في راحته أيضًا.

هذه الأشياء لا تلفت النظر لأنها لا تصنع مشهدًا دراميًا، لكنها تُرهق لأنها لا تتوقف.

المشكلة أن الإنسان إذا اعتاد نوعًا من التعب طويلًا، صار يسهل عليه أن يضمه إلى تعريفه الطبيعي للحياة المهنية، فيتوقف عن مساءلته ويبدأ فقط في التكيّف معه.

كما لو أن ما يثقله كل مساء جزءٌ ضروري من كونه إنسانًا منتجًا، بينما قد يكون جزءٌ معتبر من هذا الثقل قابلًا للتخفيف — لو أننا نظرنا إليه بإنصاف، لا باعتباره عيبًا أخلاقيًا فينا، ولا قدرًا نهائيًا في العمل، بل باعتباره نتيجة لبيئة لا تساعد بما يكفي.

 

التعب الذي يحمل معنى

وهنا يظهر فرقٌ مهم جدًا بين تعبٍ يحمل معنى وتعبٍ يستنزف بلا عائد. الأول قد نرضى به أحيانًا لأننا نعرف لماذا جاء ونعرف ماذا نبني به. أما الثاني فيشبه الضريبة الخفية التي ندفعها دون أن نلتفت — لا لأنه نبيل، بل لأنه مألوف. ولا لأنه ضروري، بل لأنه تكرر حتى توقفنا عن الاعتراض عليه.

وهذا النوع من التعب هو الذي يستحق أن نعيد التفكير فيه، لا لنطلب حياةً بلا جهد، بل لنطلب جهدًا أعدل وأذكى وأقل قسوة مما اعتدناه.

وقد يخطر في بال القارئ هنا أننا نهيّئ الكلام فقط لنقول له اشترِ شيئًا أو غيّر مكتبك.

وهذا ليس ما نريد الوصول إليه بهذه السرعة، لأن بعض الفرق يبدأ قبل الشراء أصلًا — يبدأ من الوعي، من إعادة النظر، من اكتشاف أن الألم اليومي ليس كله قدرًا. وأن تعديلًا بسيطًا، أو ترتيبًا أوضح، أو تقليلًا للفوضى، قد يصنع فرقًا حقيقيًا في شكل اليوم.

فلا يلزم أن يكون الحل كبيرًا حتى يكون مؤثرًا، ولا أن يكون مكلفًا حتى يكون صادقًا.

لكن هذا لا يمنع من قول شيءٍ مهم: البيئة تؤثر فعلًا، وليس على الهامش، بل في صميم التجربة.

وإذا ظلّ الإنسان يتعامل مع بيئة عمله كأنها خلفية محايدة لا دور لها، فسوف يستمر في تحميل نفسه ما لا يلزمها حمله، ويبقى يلوم إرادته ومزاجه وانضباطه، بينما بعض المشكلة قائمٌ أمامه كل يوم — في طريقة جلوسه، وفي فوضى سطحه، وفي الأشياء التي تستهلكه وهي تبدو صغيرةً جدًا حتى لا يراها.

ولهذا، حين نتكلم في أوفيس ستيشن عن الراحة، أو عن المساحة، أو عن ترتيب بيئة العمل، فنحن لا نتكلم عن ترفٍ جانبي ولا عن شكلٍ جميل يوضع فوق يومٍ متعب، بل عن سؤال إنساني بسيط: كيف نخفف عن الإنسان ما ليس لازمًا من التعب، ونميّز بين الجهد الذي يبنيه والاحتكاك الذي يسرق منه كل مساء شيئًا لا داعي لخسارته.

في النهاية…

مو كل تعبٍ سببه الشغل. وبعض الإنصاف مع النفس يبدأ من هذه الجملة وحدها، لأنها تفتح بابًا أوسع للفهم وأقل قسوة في الحكم.

حياةٌ فيها مسؤولية نعم، لكن فيها أيضًا تفاصيل صغيرة قادرة على أن تجعل الطريق أرحم — إذا تنبّهنا لها قبل أن نحسبها جزءًا ثابتًا من التعب الذي لا مفرّ منه.

ومن هنا بالضبط يبدأ السؤال الأصدق: ليس “كيف أتحمل أكثر؟” — بل “ما الذي في بيئتي يمكن أن يتغيّر فيخف التعب؟”

 

الكاتب: عبدالإله برناوي

تحرير وإعداد: إنعام مصطفى

التعليقات (0)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

أحيانًا تحس إنك تعبان..

لكن ما تقدر توقف لأنك تحاول تصنع شيء، بس البيئة ما تساعدك!