تخيّل للأمام… واستدل للخلف
في المقالة السابقة، تناولنا مقدمة بسيطة عن نظرية اللعبة وإحدى استراتيجياتها.
وفي هذه المقالة، نستكمل بعرض أنواع العاب أخرى, في هذه المقالة سنتناول اللعبة المتتابعة.
أنواع الألعاب
تقسم الألعاب إلى ألعاب متزامنة وألعاب متتابعة حسب توقيت اتخاذ القرار بين اللاعبين:
- متزامنة: نتحرك فيها ونتخذ قراراتنا في الوقت نفسه تقريبًا (مثل لعبة حجر-ورقة-مقص).
- متتابعة: نتحرك فيها دورًا بعد دور، مع مراقبة خطوات الطرف الآخر (مثل الشطرنج أو المونوبولي).
ولكن إذا خرجنا من ساحة اللعب إلى ساحة الحياة وإلى عالم الأعمال خصيصًا، سنجد أن نفس المنطق يحكم كثيرًا من قراراتنا:
- المواقف المتزامنة تشبه حالة إطلاق منتج جديد في السوق (تسعير شركتين لمنتج مشابه في الوقت ذاته).
- أما المواقف المتتابعة فتشبه المفاوضات أو بناء الجداول الزمنية أو إطلاق مبادرات تحتاج إلى متابعة من الأقسام الأخرى.
بهذا تصبح اللعبة مرآة صغيرة نفهم عن طريقها كيف تُبنى القرارات في الواقع: أحيانًا نتحرك جميعًا في وقت واحد، وأحيانًا نمشي بالتتابع، كل طرف يراقب الآخر قبل أن يخطو.
شجرة اللعبة
في المواقف المتتابعة، قدّم أفيناش ديكسيـت و باري ناليـباف أداة مهمة اسمها شجرة اللعبة: وهي مخطط يُظهر كيف يتفرّع كل قرار إلى مسارات مختلفة، ليس فقط لك، بل للطرف المقابل أيضًا.
الفكرة هنا ليست رياضيات معقدة، بل وضوح بصري لمسارات الجولة: كيف يؤدي كل خيار إلى نتيجة، وكيف تُفتح أمام الطرف الآخر احتمالات جديدة تبعًا لقرارك.
بهذا الشكل تتحول المفاوضة أو النقاش من حالة ضبابية إلى لوحة واضحة: ترى أين يمكن أن يقودك “القبول” أو “الرفض”، وتستوعب أن ما يبدو كخيار بسيط الآن قد يفتح سلسلة من القرارات اللاحقة.
على سبيل المثال، وكما يظهر في هذا المخطط:
موظّف أمامه خيار بسيط في البداية؛ إمّا أن يقبل طلب المدير مباشرة، أو أن يرفض.
- إذا قبِل، تنتهي الجولة هنا.
- أمّا إذا رفض، ينتقل الدور إلى المدير. هنا تظهر احتمالات جديدة: المدير قد يختار أن يغيّر الجدول أو أن يفرضه كما هو.
- ولو غيّر الجدول، يعود القرار مجددًا للموظف: هل يلتزم بالتغيير؟ أم يقترح أن يتبادل الدور مع موظف آخر؟
- ولو فُرض الجدول كما هو، فالخيار أمام الموظف أيضًا: إمّا أن يلتزم، أو يبحث عن طريقة أخرى للتكيّف.
بهذا الشكل، يتحول الموقف من قرار واحد إلى سلسلة من القرارات المتتابعة، كل خطوة فيها تفتح مجالًا لرد فعل جديد.
والقيمة هنا أن هذا المخطط يكشف لك بوضوح أين يمكن أن يقودك كل خيار، بدلًا من أن تبقى القرارات معلّقة في الذهن بشكل ضبابي.
لماذا تهمك شجرة اللعبة في العمل؟
لأن أغلب قراراتنا في المؤسسات ليست في فراغ. جدول المناوبات الذي يضعه المدير، مثلًا، ليس قرارًا منفصلًا؛ ردود فعل الفريق عليه تغيّر الجولة التالية.
وبالمثل، فإن مكافأة اليوم تُشكّل سلوك الغد. بهذه العدسة ترى أن كثيرًا مما نعدّه “منطقًا” هو في الحقيقة “منطق مشروط” بما سيفعله الآخرون.
ماهي الاستراتيجية الافضل؟
الجواب يقدّمه ديكسيت وناليباف بما يسمّى القاعدة الذهبية: فكّر في النهاية أولًا، ثم عد خطوة خطوة إلى الحاضر.
بعبارة أخرى، الاستراتيجية الأذكى في مثل هذه المواقف ليست أن تنشغل بالخطوة التي أمامك مباشرة، بل أن تحدّد الهدف النهائي الذي تريد الوصول إليه، ثم تعود للخلف لتبني طريقك خطوة بخطوة.
هذا ما عبّروا عنه بمبدأ: Think forward and reason backward.
اي تخيل المخرجات والنتائج الأخيرة ثم امشي في فروع الشجرة الى الوراء:
- ما النتيجة التي تريد الوصول إليها؟
- إذا افترضت ردة فعلٍ منطقية من الطرف الآخر، ما الحركة التي كان يجب أن تقوم بها قبلها؟
- وبالرجوع أكثر للخلف: ما الالتزامات أو الإشارات التي يمكنك إرسالها من الآن لتجعل المسار الذي تفضله هو “الأكثر منطقية” للجميع؟
هذه الطريقة بسيطة في ظاهرها لكنها قوية جدًا. وكثيرون يطبّقونها بلا وعي؛ تنظيمها وكتابتها على شجرة يجعلها أداة تفاوض وإقناع، لا مجرد حدس.
مثال سريع من يوم العمل
مدير يضع جدولًا قاسيًا فيُظهر الفريق مقاومة خفية (تأخر، تبادل مناوبات، تراجع جودة). الجولة التالية؟ المدير يخفف فجأة فيخسر مصداقية المعايير.
إذًا، كيف يُلعب هذا القرار بشكلٍ أفضل؟
- تصميم المسار: إظهار بدائل واضحة مع حوافز قصيرة المدى لمن يختار الساعات الأصعب.
- إشارة مبكرة: إعلان قاعدة ثابتة غير قابلة للتفاوض (التزام لا رجعة عنه)، وأخرى مرنة للتفاوض.
- استدلال للخلف: ما السلوك الذي تريد أن تراه بعد شهر؟ صِغ قرارات اليوم بحيث تجعل هذا السلوك “المكسب المنطقي” للجميع.
كيف أستخدمها ؟
- حدّد اللاعبين الحقيقيين (أحيانًا اللاعب “الخفي” ليس على الطاولة).
- صِف خيارات كل لاعب ببساطة.
- ارسم شجرة سريعة للمسارات المتتابعة.
- حدد النهاية المرغوبة، ثم عدّ للخلف بحركات لازمة.
- أرسل إشارات/التزامات صغيرة اليوم تجعل المسار المفضل هو الأكثر عقلانية للطرف الآخر.
تذكر
نظرية اللعبة لا تعلّمك كيف “تخدع”، بل كيف تقرأ المشهد كبنية تفاعلات لا كمجموعة قرارات منفصلة. في “البلوت” كما في الاجتماعات: لا تربح لأن ورقتك الأقوى… بل لأنك لعبتها في اللحظة التي تجعلها الأقوى بالنسبة لما سيفعله الآخرون.
📩 ما سنناقشه في البريد القادم:
سنناقش في آخر بريد في سلسلة نظرية اللعبة الألعاب المتزامنة، وكيف تؤثر على مسارات وقرارات العمل
الكاتب: عبدالله الزهراني
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى