عدت قبل أيام من إجازة قصيرة. لم تكن طويلة ولا مثيرة، فقط ثلاثة أيام هادئة بعيدًا عن البريد والمهام والتقارير. كنت أظن أنني سأعود خفيفًا، بكامل الحماس والطاقة. لكن ما حدث كان عكس ذلك. جلست أمام الشاشة في صباح الأحد، وراودني إحساس غريب: أنني تأخرت. أني لم أكن “كافيًا” هذا الأسبوع.
لم يقل لي أحد شيئًا. الفريق أدار الأمور بسلاسة. المهام لم تتأخر. حتى البريد لم يكن مزدحمًا.
ومع ذلك، شعرت أنني مدين. لا لأحد… بل لصورةٍ في ذهني، صورة الإنسان المنتج دائمًا، الذي لا يتوقّف، ولا يتأخر، ولا “يضيع وقتًا” في الاستراحة.
وقفت مع نفسي قليلًا. ثم سألت بهدوء: من قال إن الإنجاز يُقاس بهذا الشكل؟
وهل كل تأخّر عن “المهام” يُعدّ تراجعًا؟
وهل الإنجاز دائمًا يعني عملًا؟
بل… هل كل عملٍ يمثّلني أصلًا؟
إعادة تعريف المفاهيم
حين تختلط مفاهيم العمل والجدارة والهوية، يصبح من الصعب تمييز التعب النبيل… من الاستنزاف الساكت. ويصير الانقطاع عن المهام الوظيفية، مهما كان وجيزًا، مصدرَ ذنب لا نفهمه، لأنه لا يأتي من تقصير حقيقي… بل من مقياسٍ اختُلق في عقولنا.
في لحظة كهذه، تذكرت حديثًا شريفًا أعرفه من زمن طويل، لكني سمعته هذه المرة وكأنه يُقال لي الآن:
“إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلّ ذي حقٍّ حقَّه.”
كأن النبي ﷺ في هذا الحديث البسيط رسم حدود الاتزان بلغة لا تحتاج فلسفة.
العمل حقّ. لكنه ليس الحقّ الوحيد.
نفسك ليست عدوك. بل أمانة تستحق العناية.
وأهلك لا ينتظرون “فائض الوقت” بل حضورك الحقيقي.
لكن المجتمع اليوم أعاد ترتيب هذه الحقوق.
رفع العمل فوق الجميع، وسمّى ذلك “اجتهادًا”.
وحوّل الشعور بالتعب إلى علامة نقص، لا علامة بشرية.
نعم… نحن نحبّ العمل. ونحب أن ننجز، وأن نبني، وأن نُنتج شيئًا نُعتز به. ولكن، حين تصبح قيمة الإنسان مرهونة بعدد المهام المنجزة في أسبوع… هناك خلل. حين يشعر بالذنب لأنه قضى وقتًا مع أطفاله بدل الردّ على الإيميلات، هناك خلل. حين يغضب من نفسه لأنه فكرّ فقط، دون أن “ينفّذ” هناك خلل.
ثم هناك مفارقة أعمق:
أحيانًا، حين يجد الإنسان العمل الذي يمثّله فعلًا، ويتّصل بهويته، يصبح الانقطاع عنه مؤلمًا.
لا لأن السوق طلب منه ذلك. بل لأن داخله يعرف أن هذا العمل هو “صوته”.
وحين يصمت صوته، يشتاق إليه.
وهذا طبيعي. بل جميل.
لكن يجب أن نفرّق دائمًا بين شيئين:
- الندم النبيل: حين تنقطع عن ما يمثّلك وتشعر أنك فقدت لحظة اتصال بهويتك.
- والذنب الزائف: حين تشعر أنك غير كافٍ… لأنك لم تملأ جدولك بالمزيد.
وهنا تبدأ المفارقة التي نعيشها كل يوم في Office Station، نُصمّم المساحات. نُرتّب البيئات. ونقترح أدوات للتركيز والإنجاز. لكننا لا نؤمن أن العمل غاية… ولا أن ترتيب المكتب هو جوهر الإنجاز. بل نؤمن أن المساحة التي لا تراعي إنسانيتك… ليست مساحة. وأن الكرسي الذي يُقيّدك… ليس مكانًا صالحًا للنمو.
ولهذا، نحن لا نقيس النجاح بعدد المكاتب المبُاعة فقط، بل بعدد الأشخاص الذين قالوا لنا: “أنا ارتحت”، “أنا بدأت أكتب من جديد”، “رجع لي تركيزي”.
ومن هنا بالضبط، خرجت مبادرات كثيرة، منها هذا المقال الذي تقرأه الآن.
لأن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد ساعات الجلوس على كرسي، ولا بعدد المهام المنجزة فقط،
ولا بعدد العملاء الذين أغلقنا معهم الصفقة.
بل بعدد الحيوات التي شعرت بأنها أقرب إلى ذاتها بعد أن تعاملت معنا.
في Office Station نقترح ترتيبًا… لا لنُسرّعك، بل لنُريحك.
نُرتّب المساحة… كي نعيد الاعتبار للإنسان.
نخفّف الفوضى… كي لا تتحوّل الطاولة إلى مرآة للضغط.
نحن لا نؤمن بأن الإنسان خُلق فقط ليعمل، بل خُلق ليحيا، ليعمَّر، ليعبُد.
وكل منتج لا يخدم هذا… لا يمثّلنا.
لهذا نقولها بهدوء:
نحبّ العمل… نعم.
لكن من قال إنه كلّ شيء؟
الكاتب: عبدالإله برناوي
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى
اطلع على بودكاست المستشار عبدالإله برناوي:
التمركز المهني: هل تستهدف الجميع أم عميلك المثالي | بودكاست بترولي
