كثيرًا ما نخلط في حياتنا المهنية بين “الحركة” و“التقدم”. قد نركض بأقصى سرعة، ونبذل جهداً مضنياً، ونحقق قائمة طويلة من المهام اليومية، ومع ذلك نشعر في نهاية المطاف بالضياع، وكأننا ندور في حلقة مفرغة. السبب غالباً ليس في ضعف الجهد، بل في غياب “الصورة النهائية”.
هنا يأتي مفهوم جوهري يُعرف بـ “حالة النجاح” (The Success State).
ما هي “حالة النجاح”؟
“حالة النجاح” ليست مجرد أمنية عابرة مثل “أريد أن أنجح” أو “أريد زيادة المبيعات”. إنها وصف دقيق، مفصل، وحسي للحالة التي تريد أن تكون عليها في المستقبل. هي اللحظة التي عندما تصل إليها، يمكنك أن تقول بملء فمك: “لقد وصلت”.
من المنظور الفلسفي، يشبه هذا المفهوم ما كان يسميه أرسطو “العلة الغائية” (Telos)؛ أي أن الغاية النهائية هي التي تحدد طبيعة العمل وحركته. السفينة لا تُبحر هائمه في المحيط ثم تقرر وجهتها، بل إن “الميناء” هو الذي يحدد مسار الرحلة قبل أن تُرفع المراسي. بدون تحديد هذا الميناء (حالة النجاح)، لا توجد رياح مواتية، فكل الاتجاهات سواء.
لماذا يحتاج دماغك إلى هذه الصورة؟
قد يبدو تحديد “حالة النجاح” ترفاً فكرياً، لكن العلم يخبرنا بعكس ذلك. دماغنا البشري مصمم ليعمل بكفاءة أعلى عندما يمتلك هدفاً بصريًّا واضحاً.
يوجد في جذع الدماغ تشكيل عصبي يُسمى “نظام التنشيط الشبكي”. هذا النظام يعمل كفلتر هائل يعالج ملايين البيانات التي تستقبلها حواسك. وظيفته هي تمرير المعلومات “المهمة” فقط لوعيك.
عندما تحدد “حالة النجاح” بدقة (مثلاً: أريد أن يكون فريقي قادراً على العمل ذاتياً بنسبة 90% بحلول نهاية العام)، فإنك تبرمج هذا النظام العصبي للبحث عن أي فرصة، معلومة، أو أداة تساعدك في تحقيق تلك الصورة، وتجاهل ما سواها.
بدون تحديد الحالة، يعتبر دماغك كل شيء “ضجيجاً”، فتضيع الفرص وسط الزحام.
من الغاية إلى العمل: التفكيك العكسي
بمجرد أن تتضح “حالة النجاح” (القمة التي نود الوصول إليها)، ننتقل من الفلسفة إلى الهندسة.
كيف نحول هذا الحلم إلى واقع؟ يتم ذلك عبر تفكيك هذه الحالة نزولاً إلى الواقع، وليس العكس:
- حالة النجاح (The Success State): هي الوجهة النهائية. (مثال: شركة رائدة تسيطر على 20% من السوق).
- الشروط الرئيسية (Key Conditions/Milestones): لكي تتحقق تلك الحالة، ما هي الركائز التي يجب أن تقف عليها؟ هذه الشروط تتحول إلى “أهداف رئيسية”. (مثال: نحتاج منتجاً مبتكراً + فريق تسويق قوي + بنية تحتية لوجستية).
- الأهداف الصغيرة (Actionable Goals): كل شرط رئيسي هو مشروع ضخم بحد ذاته، لذا يجب تفتيته إلى أهداف صغيرة، مهام يومية، وخطوات قابلة للقياس. (مثال: توظيف مدير تسويق خلال شهر، إنهاء تصميم المنتج الأولي هذا الأسبوع).
القياس هو بوصلة الطريق
الجمال في هذه المنهجية هو أنها تمنحك القدرة على القياس. أنت لا تقيس “انشغالك”، بل تقيس “اقترابك”. كل هدف صغير يتحقق هو خطوة محسوبة تقربك من استيفاء أحد الشروط، وكل شرط يكتمل يضعك أقرب إلى “حالة النجاح”.
في خضم العمل اليومي، وعواصف المتغيرات، وتشتت التفاصيل، تظل “حالة النجاح” هي المنارة الثابتة. إنها المعيار الوحيد الذي نحكم به على تحركاتنا: هل هذا الفعل يقربنا من تلك الحالة أم يبعدنا عنها؟
تذكر دائماً: النية وحدها وقود، لكن “حالة النجاح” هي الخريطة. وبدون الخريطة، الوقود سيحرقك فقط في مكانك.
الكاتب: عبدالله الزهراني
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى
