زحمة الرياض ليست وقتًا ضائعًا… بل حياة تُسحب

شارك

كنت في السيارة، والمدينة أمامي كأنها لا تتحرك. المكيّف يعمل، والمذياع يبدّل محطاتٍ بلا معنى، وأنا أبدّل بين الفرامل والبنزين كما لو أنني أُقنع الطريق أن يلين. عند الإشارة الثالثة عشرة تقريبًا، أدركت أنني لم أعد أسمع شيئًا.

أطفأت المذياع، ثم وجدت نفسي أعدّ الإشارات بدل التسبيح. ليست لأنني نسيت الذكر، بل لأن رأسي صار ممتلئًا بما يكفي ليبحث عن أي شيءٍ بسيط يثبت به نفسه: رقم، ترتيب، تكرار. كأن العقل حين يُستنزف يبحث عن طمأنةٍ صغيرة، ولو كانت وهمًا.

 

نحن نحب أن نفهم الزحمة بطريقة بسيطة؛ نصفها بأنها تأخير، ونختصرها في دقائق تُظهر لنا كم خسرنا، وكم كان يمكن أن نصل أبكر لو أن الطريق انفتح قليلًا. لكن المشكلة ليست في الدقائق وحدها، ولا في الإشارة التي طالت أكثر من المعتاد، بل في ذلك التعديل الخفي الذي يحدث داخلنا قبل أن نصل.

 

أنت لا تدخل يومك بعد الزحمة كما خرجت من بيتك، بل تدخل وقد تغيّرت نبرة داخلك قليلًا، وانخفض مستوى صبرك درجة، وصار انتباهك أكثر هشاشة، حتى لو لم تعترف بذلك صراحة.

 

الزحمة لا تُنهكك بضربة واحدة كي تنتبه، بل تفعل ذلك بالتراكم. كل صباح يضيف طبقة رفيعة من الاحتكاك، وكل مساء يضيف طبقة من التوتر غير المعلن، ومع الوقت لا تعود تسأل لماذا صرت سريع الانفعال أو أقل احتمالًا للخطأ، بل تبدأ في لوم نفسك لأنك “لم تعد كما كنت”.

المشكلة أنك تحاسب النتيجة، ولا تراجع البيئة التي غيّرت المعطيات قبل أن تبدأ يومك أصلًا. وحين يصبح هذا التغيير يوميًا، يتحول إلى جزء من شخصيتك دون أن تشعر.

 

نحن قد نميل إلى التقليل من أثر الطريق، لأن الطريق يبدو خارجيًا، شيئًا يحدث خارج حدودنا.

لكن الإنسان لا يعيش في فراغٍ منفصل عمّا يحيط به؛ هو يتشكّل بتكرار التفاصيل الصغيرة، حتى لو كانت عادية.

والزحمة ليست مشهدًا عابرًا، بل حالة تتكرر بما يكفي لتعيد تشكيل مزاجك، وطريقتك في الرد، وحتى قدرتك على ضبط نفسك حين تُستفز.

ورد في الحديث: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.” هذا التوجيه لا يبدو في ظاهره متعلقًا بالطرق والازدحام، لكنه في عمقه دعوة لإدارة الحالة الداخلية قبل أن تتحول إلى كلمة. وحين تكون هذه الحالة منهكة أصلًا، تصبح إدارة الكلمة أصعب، لا لأنك أقل إيمانًا، بل لأنك أقل طاقة.

 

قد يقول أحدهم: هذا مجرد طريق. مجرد زحمة. وأنت تبالغ. لكن الحقيقة أن الإنسان لا يعيش في “مجرد”. الإنسان يعيش في التفاصيل التي تكرّر نفسها حتى تصنع طبعه.

والطريق في المدينة ليس مشهدًا يمرّ بجانبك؛ هو جزء من يومك، وجزء من مزاجك، وجزء من لغتك الداخلية. ولهذا تجد بعض الناس يعودون إلى بيوتهم وكأنهم خرجوا من معركة صغيرة لا يصفّق لها أحد.

لا أحد يرى ما حدث في الطريق، ولا أحد يقدّره، ولا أحد سيقول لك: أحسنت لأنك لم تصرخ، لأنك لم تتهوّر، لأنك أمسكت نفسك. هذه انتصارات صامتة، لكنها تُستهلك من الرصيد الداخلي.

 

لكن هنا بالضبط يقع الخطأ في طريقة تعاملنا مع المشكلة. لأننا حين نكتشف أن يومنا يبدأ ناقصًا، لا نتوقف لنفهم لماذا بدأ ناقصًا أصلًا، بل نبحث عن طريقة لتعويض هذا النقص بأسرع ما يمكن. كأننا نحاول أن نغطي أثر الطريق بمزيد من الحركة، لا بمزيد من الوعي.

 

أين الخطأ في التعامل مع المشكلة؟

هناك ثلاث ردود أفعال شائعة:

  1. التكيّف الكامل: “هذا واقع المدينة.”
  2. التذمّر المستمر: “لا شيء سيتغير.”
  3. محاولة زيادة الأداء لتعويض الفقد.

والخيار الثالث هو الأخطر.

حين تشعر أن يومك بدأ ناقصًا، تميل إلى محاولة ملء هذا النقص بمزيد من الجهد:

  • مزيد من المهام.
  • مزيد من السرعة.
  • مزيد من الضغط على نفسك.

لكن المشكلة لم تكن في قلة الجهد.
كانت في فقدان الاتزان.

 

وهنا يظهر الفرق بين “زيادة الإنتاج” و“استعادة الإنسان”. الفرق بين أن تضغط أكثر على نفسك، وبين أن تسأل: من أين بدأ الخلل؟

 

أظن أن الخسارة الكبرى ليست في الزحمة ذاتها، بل في ما بعدها. كأن الزحمة تسحب منك مرتين: مرةً وهي تستهلك أعصابك وهدوءك، ومرةً حين تدخل يومك بفوضىٍ تُكمل ما بدأته الطريق.

ولهذا يختلط على الناس تعريف المشكلة: يظنون أن الحل في مدينةٍ أقل ازدحامًا، بينما الحل القريب أحيانًا أن تمنع الاستنزاف الثاني، وأن لا تسمح لليوم أن ينهار بمجرد أنك وصلت متأخرًا أو منهكًا. كأنك تقول للزحمة: خذي ما تأخذين… لكن لن أعطيك بقيّة اليوم مجانًا.

 

ماذا يعني هذا عمليًا؟

إذا كانت الزحمة تستهلك جزءًا من طاقتك، فالحل ليس أن تعمل أكثر لتعويضه، بل أن تمنع الاستنزاف الثاني.

 

والاستنزاف الثاني هو الفوضى الصغيرة التي تستقبلك بعد الزحمة، مثل:

  1. مكتب غير مرتب.
  2. مساحة لا تساعد على الاستقرار.
  3. تنقل ذهني سريع بين مهام كثيرة.
  4. غياب نقطة بداية واضحة.

قد تبدو هذه الأشياء بسيطة كلٌّ على حدة، لكنها حين تُضاف إلى طاقة منهكة أصلًا، تتحول إلى مضاعِف ضغط. وكأن الطريق سلّمك اليوم منحدرًا خفيفًا، ثم جاءت الفوضى لتزيد ميلانه. بعدها تتساءل لماذا أصبحت أسرع غضبًا، أو أقل احتمالًا للخطأ، أو أكثر قسوة في حكمك على نفسك.

 

وهنا مربط الفرس، أنت لا تحتاج بيئة مثالية.
لكنك تحتاج نقطة تعيد ضبطك: نقطة لا تطلب منك إثبات شيء، ولا تضيف احتكاكًا جديدًا إلى احتكاك الطريق، بل تسمح لك أن تبدأ من جديد كما لو أن الزحمة لم تسحب منك كل ذلك.

 

وهنا بالضبط يصبح الحديث عن المساحة حديثًا إنسانيًا قبل أن يكون أي شيء آخر. ليس لأنك تحتاج “مكتبًا” فاخرًا، ولا لأن كل واحد يجب أن يملك ترتيبًا مثاليًا في بيته، بل لأن الإنسان حين يُستنزف خارجيًا يحتاج إلى نقطة يستعيد فيها نفسه.

نقطة لا تزيد الاحتكاك، ولا تُذكّره بما لم ينجز، ولا تفرض عليه أن يبدأ اليوم وهو يحاول اللحاق بنفسه.

 

من هذا المعنى تحديدًا بدأت فكرة Office Station عندنا تتشكل: ليس كمحاولة لتكريس ثقافة “اشتغل أكثر”، بل كاهتمام صادق بأن المساحة قد تكون آخر ما تبقّى لك لتسترجع هدوءك.

نحن نعرف أن كثيرين لا يستطيعون تغيير الطريق، ولا يستطيعون تغيير المدينة، ولا يستطيعون تقليل الزحمة، لكن يمكنهم على الأقل أن يقللوا الاستنزاف الثاني الذي ينتظرهم بعد الزحمة. فوضى صغيرة هنا، ضوضاء هناك، مكان لا يريح العين، زاوية لا تساعد الذهن على أن يستقر. هذا ليس ترفًا. أحيانًا هو الفارق بين يومٍ ينهارك من الداخل ويومٍ يترك لك شيئًا تتنفّس به.

 

ولهذا أيضًا لا نرى “الترتيب” هدفًا بذاته، ولا نعتبر أن المساحة قيمة مستقلة. القيمة أن تكون المساحة في خدمة الإنسان، لا في خدمة الضغط. أن تكون مكانًا يخفف عنك بدل أن يذكّرك بما لم تنجز. أن تكون زاوية تُعيد لك حرّيتك الداخلية، لا كرسيًا يضيف قيدًا جديدًا. وأن يكون ما تفعله في يومك يمثّلك، لا يمثّل مجرد ردّة فعل على طريقٍ طويل.

 

ختاماً

قد لا تختفي الزحمة غدًا، وقد تبقى الإشارات كثيرة، وقد تظل المدينة أسرع من طاقة الإنسان. لكن يبقى السؤال الذي يستحق أن يُقال مرة واحدة على الأقل بصدق: كم ساعة من نفسك تتركها يوميًا على الطريق؟

ليش بعد رمضان ترجع عاداتك زي أول؟

 

في هذه الحلقة، مؤسس أوفيس ستيشن، الأستاذ عبدالإله برناوي يتكلم عن كيف تتحول قيم مثل الصبر والانضباط من “أجواء مؤقتة” إلى نظام فعلي تعيش به طول السنة — في شغلك، قراراتك، وحتى طريقة إدارتك لوقتك.

 

لو تبحث عن تغيير يستمر… مو حماس مؤقت،
بتلقى في الحلقة فكرة تستاهل تسمعها 👇

رمضان .. حين تتحول القيم إلى نظام حياة || برنامج قيمنا

أ. عبدالإله بن مصطفى برناوي


لقاء عبدالإله برناوي مع قناة زاد عن رمضان

 

الكاتب: عبدالإله برناوي

تحرير وإعداد: إنعام مصطفى

 

شاهد أيضًا للأستاذ عبدالإله برناوي:

كيف يصنع الإنسان قراره تحت سقف التوفيق؟ || برنامج نوافذ

أ. عبدالإله بن مصطفى برناوي

التعليقات (0)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

أحيانًا تحس إنك تعبان..

لكن ما تقدر توقف لأنك تحاول تصنع شيء، بس البيئة ما تساعدك!