في رمضان، تكتشف أن الأشياء لا تُقاس بحجمها، بل بأثرها. كلمة صغيرة قد تُفسد مزاج يومٍ كامل، ومشهد بسيط قد يعيد ترتيب قلبك دون أن تفهم كيف.
وفي هذا الشهر تحديدًا، أكثر ما يلفتني ليس الجوع ولا العطش، بل كيف تصبح “التفاصيل التنظيمية” قادرة على أن تغيّر روح الإنسان، ثم نسمّيها بعد ذلك: ضغط عمل… التزامات… موسم.
كنت في اجتماعٍ صباحي قبل سنوات، لا أذكر موضوعه بدقّة، لكني أذكر شعورًا واحدًا خرجت به: أنني استُنزفت قبل أن يبدأ يومي.
جلست ساعة كاملة أتنقل بين حديثٍ متفرع، وأسئلة لا تنتهي، ونقاشات لا تملك قرارًا، ثم خرجت وأنا أحاول أن أستعيد نفسي كي أبدأ عملي أصلًا. لم يكن الأمر كارثيًا، لكنه كان واضحًا: هذا الاجتماع لم يأخذ وقتي فقط، بل أخذ شيئًا من حضور قلبي.
وهنا بدأت أرى مفارقة لا يحب أحد أن يسمعها: بعض الاجتماعات في رمضان لا تُعطّل العمل فقط… بل تُعطّل معنى رمضان نفسه.
ليست لأنها “حرام” أو لأن الناس يتكلمون بسوء نية، بل لأن طبيعتها تُنتج حالة داخلية مضادة لما يريد هذا الشهر أن يزرعه: هدوء، ضبط، تقليل لغو، وحضور.
والصدمة أن هذا يحدث غالبًا ونحن نؤدي الاجتماع باسم “الالتزام”.
المفارقة أن كثيرًا من الشركات في رمضان، بدل أن تُخفف الاحتكاك وتُحافظ على صفاء فرقها، تزيد الاجتماعات. وكأن قصر الدوام يدفعنا تلقائيًا إلى تعويض الساعات بالمزيد من التنسيق.
لكن التنسيق حين يزيد عن حدّه يتحول إلى ضجيج. والضجيج في رمضان لا يبقى في المكتب؛ يعود معك للبيت، ويظهر في نبرة صوتك، وفي صبرك، وفي قدرتك على الاستمتاع بأبسط لحظة قبل الإفطار.
لماذا أسمي بعض اجتماعات رمضان “عبادة مضادّة”؟
لأنها تستهلك بالضبط ما يفترض أن تحفظه.
تستهلك الانتباه الذي تحتاجه لتبقى حاضرًا.
وتستهلك السكينة التي تحتاجها لتكون لطيفًا.
وتستهلك طاقة ضبط النفس التي تحتاجها لتنجو من الاستفزازات الصغيرة.
ثم تعود لتكمل يومك وكأنك تحاول أن تصوم مرتين: تصوم عن الطعام… وتصوم عن الانفعال الذي زرعه الاجتماع.
أين الخطأ؟
هناك ثلاث صور شائعة تجعل الاجتماعات في رمضان تتحول من “تنظيم” إلى “استنزاف”:
- اجتماع بلا قرار.
تجتمعون لأن “هكذا النظام”، وتخرجون دون حسم، فيتضاعف عدد الاجتماعات بدل أن ينتهي الموضوع. - اجتماع بلا حدود.
لا بداية حقيقية ولا نهاية حقيقية، فيتمدد النقاش لأن لا أحد يملك شجاعة إغلاقه، وكأن الوقت لا معنى له. - اجتماع بلا وعي بالروح.
نفس الأسلوب، نفس الحدة، نفس التعليقات، نفس الضغط، وكأن رمضان لا يغيّر في الإنسان شيئًا.
النتيجة أنك لا تحصل على “تنسيق”، بل تحصل على حالة عامة من التوتر المُشاع. تخرج من الاجتماع وقد تغيّرت نبرة اليوم، ثم تستغرب لماذا الفريق أقل إنتاجًا، ولماذا الناس أكثر حساسية، ولماذا الأخطاء تزيد بدل أن تقل.
وهنا تأتي المفارقة الثانية:
كلما زادت الاجتماعات… قلّ الاصطفاف الحقيقي.
لأن الاصطفاف الحقيقي لا يحدث بالصوت العالي ولا بتكرار الكلام، بل يحدث حين يخرج كل شخص وهو يعرف: ماذا يفعل بعد الاجتماع؟ ومتى؟ ولماذا؟
أما الاجتماع الذي ينتهي بجملة مثل “خلونا نشوف” فهو في الحقيقة لم ينسّق شيئًا، بل نقل الفوضى من داخل الأذهان إلى غرفة واحدة، ثم وزعها عليكم بالتساوي.
قد تظن أن هذه مشكلة “إدارة وقت” فقط، لكني أراها أعمق. في رمضان تحديدًا، أنت لا تخسر ساعة… أنت تخسر حالة.
تخسر صفاءً كنت ستدخل به على عملك، أو على أهلك، أو على لحظة هدوء قبل المغرب. ولهذا تصبح الاجتماعات الكثيرة نوعًا من الاستنزاف الروحي المُقنّع. لا أحد ينوي ذلك، لكن النتيجة واحدة.
متى يصبح الاجتماع “عبادة مضادة” فعلًا؟
حين يصير داخل الاجتماع ما يفسد داخل الإنسان: كثرة تعليق، كثرة مقاطعة، كثرة انفعال، كثرة تقييم للآخرين، أو حتى كثرة لغو لا ضرورة له.
ليس لأن الناس سيئون، بل لأن الاجتماع في طبيعته يجمع طاقات مختلفة في مساحة واحدة، فإذا غاب الهدف والحسم والحدود، تحوّل إلى ماكينة احتكاك.
والاحتكاك في رمضان غالي الثمن.
لهذا، حين نناقش “الإنتاجية في رمضان”، لا أظن أن السؤال الأهم هو: كم ساعة نعمل؟
بل: كم احتكاك نضيف؟ كم مرة نجبر الإنسان أن يكون في وضعٍ اجتماعي متوتر وهو أصلًا أقل طاقة؟ لأن هناك فرقًا بين عملٍ يحتاج اجتماعًا، وعملٍ لا يحتاج إلا هدوءًا ومساحة ينجز فيها الإنسان ما عليه ثم يرحم نفسه.
وهنا يأتي دور “المساحة” بطريقة مختلفة تمامًا عن المقالات السابقة. ليس الحديث عن مكتب في البيت هذه المرة، بل عن معنى أبسط: أن الإنسان يحتاج في رمضان إلى مساحة عمل تمنحه تركيزًا بدل مزيد من تشتت، وهدوءًا بدل مزيد من انفعال، وبداية واضحة بدل أن يظل يتنقل من غرفة اجتماعات إلى أخرى وهو يحاول أن يستعيد نفسه في كل مرة.
في Office Station، نحن نهتم بالمساحات لأننا نؤمن أن المكان ليس محايدًا. المكان إما أن يُعين الإنسان على أن يكون أفضل… أو يستنزفه وهو يظن أنه “ملتزم”.
والمساحة التي تُصمَّم لخدمة الإنسان ليست تلك التي تكدّس الاجتماعات، بل التي تقلّل الضجيج وتُعطي للعمل شكله الصحيح: عمل يُنجز، لا عمل يُستعرض.
والأغرب أن كثيرًا من القادة لو جرّبوا أن يُقلّلوا الاجتماعات في رمضان فعلًا، سيكتشفون أن الفريق لم ينهَر… بل ارتاح. وأن القرارات صارت أوضح. وأن الأخطاء قلت. وأن الناس رجعوا بوجهٍ أهدأ إلى بيوتهم.
لأن الاجتماع حين يقلّ لا يعني الفوضى، بل يعني أنك بدأت تثق أن العمل الحقيقي لا يحتاج كل هذا الكلام كي يحدث.
ختاماً
قد يكون هذا الكلام مثيرًا للجدل، لأن الاجتماع في ثقافتنا التنظيمية صار علامة جدية، وكأن من لا يجتمع لا يعمل.
لكن رمضان يكشف لك شيئًا بسيطًا: ليس كل ما يبدو “التزامًا” هو التزام. أحيانًا هو استنزاف مُهذّب.
والسؤال الذي أريد أن يظل مفتوحًا، بلا خطابة ولا خصومة، هو:
هل اجتماعات رمضان عندكم تُعين الناس أن يحافظوا على نبرة الشهر… أم تسرقها منهم باسم التنسيق؟
ليش بعد رمضان ترجع عاداتك زي أول؟
في هذه الحلقة، مؤسس أوفيس ستيشن، الأستاذ عبدالإله برناوي يتكلم عن كيف تتحول قيم مثل الصبر والانضباط من “أجواء مؤقتة” إلى نظام فعلي تعيش به طول السنة — في شغلك، قراراتك، وحتى طريقة إدارتك لوقتك.
لو تبحث عن تغيير يستمر… مو حماس مؤقت،
بتلقى في الحلقة فكرة تستاهل تسمعها 👇
رمضان .. حين تتحول القيم إلى نظام حياة || برنامج قيمنا
أ. عبدالإله بن مصطفى برناوي
الكاتب: عبدالإله برناوي
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى
شاهد أيضًا للأستاذ عبدالإله برناوي:
كيف يصنع الإنسان قراره تحت سقف التوفيق؟ || برنامج نوافذ
أ. عبدالإله بن مصطفى برناوي

