لماذا نشتري كرسيًا… ونحن في الحقيقة نشتري هدوءًا؟

شارك

بعض الأشياء تبدو في ظاهرها واضحةً جدًا حتى إننا لا نفكر فيها إلا من زاويةٍ واحدة. الكرسي مثلًا يبدو شيئًا بسيطًا: نجلس عليه ونقوم، ونختار شكله أو سعره أو لونه، ثم ننتهي.

لكن الواقع أن علاقتنا بما نجلس عليه ليست بهذه البرودة، لأن الجلسة الطويلة ليست تفصيلًا عابرًا في حياة من يعمل، بل حالة يومية تتكرر وتدخل في مزاجه وتركيزه وصبره وقدرته على إكمال يومه. ولهذا فالسؤال الحقيقي أوسع من سؤال الكرسي نفسه: ما الذي يجعل الإنسان أهدأ وهو يعمل؟

 

الهدوء هنا لا يعني الفراغ، ولا الراحة الكسولة، ولا الهروب من الجهد. بل يعني أن لا يضطر الجسد إلى الاحتجاج كل بضع دقائق، وأن لا يدخل الذهن في مقاومة خفية بسبب وضعيةٍ لا تناسبه، وأن لا يكون آخر النهار أشبه بخروجٍ من معركةٍ صامتة بين الإنسان ومكانه.

هذا النوع من الهدوء ليس رفاهية إضافية، بل بيئة تسمح للعمل أن يبقى عملًا، لا أن يتحول إلى استنزاف جسدي فوق ما فيه من مسؤولية.

 

ولهذا حين يشتري الإنسان شيئًا يخدم جلسته، فهو لا يشتري شكلًا أجمل فقط، بل يشتري احتمالًا أكبر لأن يمرّ يومه بأقل احتكاك. لكن حتى هذه الجملة لا نحب أن نستخدمها استخدامًا بيعيًا مباشرًا، لأن بعض الناس لا يحتاج أولًا أن يشتري، بل يحتاج أن ينتبه.

أن يعترف بأن الجلسة نفسها جزء من حياته المهنية، وأن الهدوء الذي يفقده كل مساء ليس كله نتيجة المشاريع والمواعيد، بل جزء منه يضيع في التفاصيل التي لا يحسب لها حسابًا.

 

ولهذا قد يقرأ أحدهم هذا الكلام ويقول في نفسه: هل تريدون فقط أن تقنعونا بأن نشتري كراسي أفضل؟

والجواب الصادق: ليس بالضرورة. لأن المسألة أوسع من ذلك. وربما يبدأ الفرق عند شخصٍ من تعديل بسيط في ارتفاع جلسته، أو من وعيٍ بطريقة وضعيته، أو من تقليل الساعات المتواصلة على وضعيةٍ واحدة. الشراء ليس دائمًا أول الطريق، لكنه أحيانًا يكون جزءًا من طريقٍ صار واضحًا لصاحبه.

 

في أوفيس ستيشن نحب أن نتكلم عن هذه التفاصيل من مكانٍ إنساني قبل أن يكون تجاريًا. لأننا لا نرى الإنسان الذي يعمل مجرد عميلٍ يريد منتجًا، بل نراه شخصًا يعيش يومه بكل ما فيه من ضغط وطموح ورغبة في أن يبقى متماسكًا.

ولهذا يكون سؤال الراحة عندنا سؤالًا عن الإنسان أولًا، لا عن القطعة وحدها.

 

المعنى المختبئ…

الكرسي في معناه الأعمق ليس مجرد شيء نجلس عليه. بل قد يكون طريقةً أصغر مما نتصور في قول شيء مهم لأنفسنا:

 

إن العمل الذي نحبه لا يجب أن يأخذ هدوءنا كله، وإن من حقّنا ونحن نبني وننجز أن نجد في يومنا ما يساندنا، لا ما يضاعف علينا الكلفة بصمت.

 

الكاتب: عبدالإله برناوي

تحرير وإعداد: إنعام مصطفى

التعليقات (0)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

أحيانًا تحس إنك تعبان..

لكن ما تقدر توقف لأنك تحاول تصنع شيء، بس البيئة ما تساعدك!