ليس كل ما يسرق اليوم يأتي في صورة شيء كبير، أحيانًا الذي ينهك الإنسان ليس الحدث الثقيل ولا المهمة المعقدة، بل هذا التراكم الصغير الذي لا يملك اسمًا واضحًا، ورقةٌ لا تعرف أين توضع، سلكٌ يمرّ في غير مكانه، أدواتٌ تتزاحم على سطح واحد، كوبٌ يؤخذ له حيّز أكبر من معناه، وإشعاراتٌ مفتوحة، وأشياء كثيرة لا تكفي ليقول الإنسان إن لديه مشكلة حقيقية، لكنها تكفي جدًا ليخرج من يومه أقل صفاءً مما دخل…
الفوضى الصغيرة خطيرة لهذا السبب تحديدًا، لأنها لا تُشعرنا بأننا مطالبون بإيقافها، فنحن نرى المشكلات الكبيرة ونتعامل معها، أما هذه، فنعتادها، ونعيش حولها، ونبني فوقها يومنا، ثم نتفاجأ بعد فترة أن التوتر صار أسرع، والتركيز أقصر، والذهن أكثر تشتتًا، مع أنّ شيئًا كارثيًا لم يحدث، فقط أشياء صغيرة تكاثرت حتى صار حضورها أقوى من أن يبقى بلا أثر.
وقد يخطئ الإنسان حين يفسر هذا كله بأنه ضعفٌ فيه، أو قلة انضباط، أو تشتت طباع، بينما بعض ما يعيشه هو نتيجة مباشرة لبيئة لا تساعد على السكون، لأن العين أيضًا تعمل، والذهن أيضًا يتأثر بما يراه كل دقيقة، وإذا كانت المساحة مليئة بطلبات صغيرة، وإشارات كثيرة، وأشياء في غير مواضعها، فليس غريبًا أن يشعر الإنسان بأنّ داخله أقل ترتيبًا مما يريد.
ومرة أخرى، لا نريد أن نقفز من هذه الفكرة إلى النتيجة البيعية السهلة، فلا نقول إن كل فوضى حلها شراء شيء، أو أن كل مساحة متعبة يلزمها تغيير كامل، بل قد يبدأ الفرق من وعيٍ جديد فقط، من أن يرى الإنسان ما يستهلكه فعلًا، وأن يسأل نفسه بصدق: ما الذي يتكرر في يومي ويأخذ من ذهني أكثر مما يستحق؟ وما الذي لو أُعيد إلى مكانه، أو اختفى من سطحي، أو خفّ حضوره، لصار اليوم أهدأ قليلًا، وأخف قليلًا؟
وهذا القليل في الحقيقة هو الذي يبني الفرق التراكمي.
لكنّ هذا الوعي نفسه يفتح بابًا أوسع، لأنّ بعض البيئات صارت فعلًا بحاجة إلى أن تُفهم من جديد، لا من زاوية الشكل، بل من زاوية الرحمة باليوم، ومن هنا نحاول في أوفيس ستيشن أن نقترب من المسألة بهذه الروح، لا بوصفنا نبيع ترتيبًا تجميليًا، بل لأننا نرى أن الفوضى الصغيرة إذا تُركت طويلًا صارت طريقة حياة، وصارت الطاولة مرآةً للضغط بدل أن تكون مساحةً تخففه، ونحن نحب أن نكسر هذا المعنى قبل أن يترسخ.
في النهاية…
الفوضى الصغيرة تسرق يومك لأنها صغيرة، ولأنها مألوفة، ولأنك لا تعلن الحرب على ما تعتقد أنه بسيط، لكنّ الحكمة أحيانًا ليست في احتمالها أكثر، بل في أن تمنعها من أن تبقى عادية، وأن تعيد لبيئتك شيئًا من الوضوح الذي تستحقه، لأنّ اليوم الذي نعيشه كثيرًا لا يجوز أن نتركه لفوضى لا تستحق هذا النفوذ كله.
الكاتب: عبدالإله برناوي
إعداد وتحرير: إنعام برناوي
