تأمل أي مشروع جديد بدأته قبل مدة. في البداية، كانت الخطة واضحة في صفحة واحدة، والمهام موزعة بدقة، والتواصل يتم بسلاسة فائقة. ولكن اليوم، تحول هذا المشروع نفسه إلى شبكة معقدة من المجلدات المبعثرة، وقنوات التواصل المزدحمة، والاجتماعات التنسيقية التي عُقدت لمناقشة اجتماعات أخرى! المثير للدهشة هو أن أحداً لم يخطط لجعل النظام معقداً أو فوضوياً؛ بل حدث ذلك تلقائياً وبشكل صامت دون أن يدري أحد.
هذه الظاهرة المزعجة ليست حكراً على فريق واحد، بل هي ميل طبيعي في الكون يُعرف بـ “الانتروبي الوظيفية” (Workplace Entropy). الفكرة المركزية هنا تقول إن الفوضى هي الوضع الافتراضي لكل نظام وظيفي أو ذهني، وما لم تبذل طاقة مستمرة ومنظمة للتقليم والتطهير، فإن أنظمتك وطاقتك الذهنية ستتجه حتماً نحو التفكك والتعقيد. الجهد الحقيقي للقادة والمهنيين لا يكمن فقط في إنشاء الأنظمة، بل في حمايتها من هذا الانزلاق التلقائي نحو الفوضى.
سأستعير “جسر التشبيه” من أعماق علم الفيزياء، وتحديداً من “القانون الثاني للديناميكا الحرارية”. ينص هذا القانون على أن أي نظام مغلق يميل تلقائياً وبمرور الوقت إلى زيادة درجة العشوائية والاضطراب (الانتروبي).
إن ترك البيت مهجوراً لا يجعله يحافظ على نظافته، بل يملؤه الغبار؛ وترك الحديقة بلا رعاية لا يبقيها جميلة، بل تملؤها الأعشاب الضارة. بنفس القانون الفيزيائي الصارم: ترك العمليات الإدارية، وجداول المواعيد، وحتى ملفاتك الرقمية بلا “تقليم مستمر”، سيثقلها بالفوضى حتماً.
الانتروبي في الحياة العملية
عندما يتعامل الشخص مع بيئة عمل أو نظام يعاني من انتروبي عالية، تُجبر “قشرة الفص الجبهي” (Prefrontal Cortex) على استهلاك كميات هائلة من الجلوكوز فقط للبحث عن الملف المناسب، أو استرجاع سياق قرار سابق.
هذه الفوضى الصغيرة (Micro-chaos) ترفع مستوى الهرمونات المجهدة بيولوجياً، مما يقلل من سعتك المعرفية المتاحة للتفكير الاستراتيجي والابتكار.
هناك مبدأ فلسفي شهير اسمه “شفرة أوكام” (Occam’s Razor)، والذي ينص على أن الحل الأبسط هو غالباً الحل الصحيح.
المهني الحكيم يدرك أن النمو لا يعني إضافة المزيد من الإجراءات والاجتماعات والأدوات، بل هو القدرة المستمرة على “حذف الزوائد”.
وكما تساءل الإمبراطور الرواقي ماركوس أوريليوس: “اسأل نفسك في كل لحظة: هل هذا الفعل ضروري؟”
كيف تنعكس مواجهة الانتروبي على كفاءتك المهنية؟
1- الفرق بين “بناء النظام” و”صيانته”: معظم المهنيين يستهلكون طاقاتهم في التخطيط وبناء الأنظمة، لكنهم ينسون صيانتها. النظام بلا صيانة دورية يتحول إلى عبء يلتهم الوقت.
2- البساطة كمعيار للتميز: إضافة القواعد والخطوات أمر سهل، لكن التبسيط يتطلب عمقاً وشجاعة. القائد الفعال هو من يحمي فريقه من التعقيد المفرط.
للحفاظ على أنظمتك من التفكك والانتروبي العالية، إليك هذا الطقس الأسبوعي “التقليم الأسبوعي” (Weekly Pruning): خصّص الساعة الأخيرة من كل أسبوع مهني لمراجعة عملك: احذف الملفات الزائدة، أصلح العمليات المعقدة، ونسّق مساحتك. ابحث عن الأشياء التي يمكنك “إزالتها” بدلاً من البحث عما يمكنك “إضافته”.
في أوفيس ستيشن ندرك أن البيئة المادية هي خط الدفاع الأول ضد الانتروبي الذهنية. لذلك مساحاتنا مهندسة ضد الفوضى.
في النهاية…
الفوضى لا تحتاج إلى قرار لتنمو، تحتاج فقط إلى غياب الاهتمام.
وأول مكان تبدأ منه في مقاومة الفوضى هو ما تراه أمامك: مكتبك، شاشتك، الأسلاك التي تتشابك خلف كل شيء.
لذلك، مقاومة الانتروبي لا تعني أن تبني نظاماً مثالياً من الصفر، بل أن تختار مساحة تساعدك على العودة للوضوح كل مرة يبدأ فيها اليوم بالتبعثر.
الكاتب: عبدالله الزهراني
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى
