تأمل هذين اليومين المتناقضين في مسيرتك المهنية. في اليوم الأول، جدولك خالٍ تماماً من المواعيد الضابطة. تتجول بين شاشتك وفنجان قهوتك، لكن ينتهي اليوم دون أن تنجز شيئاً يُذكر؛ لقد تبدد الوقت في التردد والتسويف.
وفي اليوم الثاني، تقع تحت ضغط موعد تسليم مصيري يُطلب فيه المستحيل، فتصاب بذعر، وتبدأ بالارتباك وارتكاب أخطاء بدائية في تفاصيل التقرير. في كلا اليومين، كانت النتيجة محبطة. لذا… لماذا نتردد عندما يختفي الضغط، وننهار عندما يشتد؟
هذا التناقض يُكشف من خلال مفهوم “التوتر البيولوجي الأمثل” (Optimal Arousal Zone). إن الكفاءة الوظيفية لا تعني البحث عن راحة مطلقة بلا توتر، ولا تعني الاستسلام للضغط المفرط، بل تكمن في القدرة على معايرة التوتر ليكون في مستواه المحفز.
التوتر في العمل ليس عدواً بحد ذاته، بل هو الوقود الذي يحتاج إلى ضبط دقيق ليتحول من طاقة مدمّرة إلى قوة إنجاز.
لتقريب الصورة، لننظر إلى أوتار العود أو الكمان. إذا كان الوتر مرتخياً أكثر من اللازم، فإنه لن يخرج أي نغمة مهما ضربت عليه. وإذا شدّيت الوتر بقسوة فوق طاقته، فسوف ينقطع عند أول لمسة.
الموسيقى الساحرة لا تخرج إلا عندما يُشدّ الوتر بدرجة دقيقة جداً: مشدود بما يكفي ليهتز ويصدر نغماً صافياً، ومرخٍ بما يكفي لكي لا ينكسر. عقلك المهني يعمل بنفس الميكانيكية تماماً.
العلاقة بين التوتر والأداء
من منظور علم الأعصاب، يخضع أداؤنا الذهني لقانون شهير يُعرف بـ “قانون ييركس-دودسون” (Yerkes-Dodson Law)، والذي يوضح العلاقة بين التوتر والأداء في شكل منحنى نون مقلوبة.
في المستويات المنخفضة من الضغط، يكون الدماغ في حالة خمول عصبي. وعند ارتفاع الضغط للمستوى المعتدل، تفرز القشرة الجبهية مزيجاً متوازناً من الدوبامين والنورإبينفرين، مما يرفع التركيز واليقظة إلى أقصى درجاتهما.
لكن إذا تجاوز الضغط هذا الحد، يغرق الدماغ في الكورتيزول، مما يشل وظائف التفكير الاستراتيجي.
هذه الحقيقة البيولوجية تتطابق مع حكمة “الوسط الذهبي” عند الفيلسوف أرسطو، والذي يرى أن الفضيلة والتميز ليسا في الأطراف المتطرفة، بل في المساحة الوسطى الفاضلة. فالكفاءة المهنية ليست في الكسل، ولا في الاحتراق الذاتي، بل في المنطقة المعتدلة التي تستنهض همتك دون أن تحرق طاقتك.
لكن كيف تطبق هذا التوازن في يومك المهني؟ إذا شعرت بالرخاوة والتسويف، افرض على نفسك قيوداً زمنية قصيرة (Micro-deadlines) لرفع مستوى التوتر إلى المنطقة المثالية.
وإذا شعرت بالذعر وضبابية الرؤية، خذ خروجاً تكتيكياً لخمس دقائق لتخفيض شحنة الكورتيزول وإعادة ضبط بوصلتك.
تذكر دائماً…
أنت لا تحتاج إلى إغلاق التوتر تماماً لتنجز، بل تحتاج فقط إلى دوزنته كوتر نقي يصنع الفارق. وضبط الوتر قد لا يبدأ بالجدول أو القرارات، بل يبدأ بالمكان الذي تجلس فيه، لأن جسمك الذي يشعر بعدم الراحة لن يتركك في المنطقة الوسطى أبداً.
الكاتب: عبدالله الزهراني
تحرير وإعداد: إنعام مصطفى
