وهم الوفرة: لماذا ينجز عقلك في اللحظات الأخيرة ما عجز عنه في أسبوع؟

شارك

تخيل هذا السيناريو..

يُكلّفك مديرك بإعداد تقرير استراتيجي ويمنحك مهلة أسبوع كامل لإنجازه.

تقضي الأيام الأربعة الأولى في القلق، والتفكير، وتأجيل البدء، ثم تعمل بجهد مضاعف في اليومين الأخيرين لتسلّمه في الموعد.

في الشهر التالي، تظهر حالة طوارئ، ويُطلب منك إعداد تقرير مشابه تماماً، ولكن المهلة هذه المرة هي “ثلاث ساعات فقط”.

تدخل في حالة تركيز قصوى، وتنجز التقرير وتُسلّمه.. والمفاجأة هي أن جودته لا تقل عن ذلك الذي استغرق أسبوعاً!

 

لماذا استغرقت نفس المهمة 40 ساعة في المرة الأولى، و3 ساعات فقط في المرة الثانية؟

الإجابة لا تتعلق بمستوى مهارتك، بل بقانون سلوكي وإداري صارم يُعرف بـ “قانون باركنسون” (Parkinson’s Law).
الفكرة المركزية هنا هي: العمل يتمدد ليملأ الوقت المتاح لإنجازه. نحن نتوهم أن منح أنفسنا وقتاً أطول سيؤدي إلى نتائج أكثر مثالية، بينما الحقيقة أن الوقت الإضافي غالباً ما يولّد المزيد من التعقيد، التردد، والمجهود المهدور بلا طائل.

 

لفهم كيف نتلاعب بأنفسنا، دعونا نستعير ظاهرة من علم الفيزياء، وتحديداً سلوك الغازات. الغاز ليس له حجم ثابت؛ قاعدته الفيزيائية هي أنه “يتمدد ليملأ الوعاء الذي يحويه”. إذا وضعت كمية من الغاز في قاعة ضخمة، فسوف يتشتت وتضعف كثافته وضغطه.

ولكن إذا ضغطت نفس الكمية من الغاز داخل أسطوانة صغيرة، فإن الضغط يرتفع بشدة ويولّد طاقة هائلة قادرة على تحريك المحركات. في مسيرتك المهنية: طاقتك الذهنية هي مثل الغاز، والمهلة الزمنية هي مثل الوعاء.

من منظور علم الأعصاب، عندما يكون “الوعاء الزمني” كبيراً جداً، لا يرى الدماغ أي مبرر للاستنفار. لا توجد حالة طوارئ، فلا يتم إفراز الهرمونات المحفزة.

ولكن عندما تُضيّق الوعاء (مهلة زمنية قصيرة)، ترسل “اللوزة الدماغية” (Amygdala) إشارة بوجود تهديد معتدل، مما يحفز إفراز مزيج كيميائي سحري من الدوبامين والنورإبينفرين. هذا المزيج يجبر “قشرة الفص الجبهي” على الدخول في حالة تركيز ليزري (Laser Focus)، وتجاهل المشتتات تماماً، وربط الأفكار بسرعة فائقة للنجاة.

 

قديماً، حذّرنا الفلاسفة الرواقيون من “وهم الوفرة”. عندما نعتقد أن لدينا وقتاً لا نهائياً، فإننا لا نحترمه.

يقول الفيلسوف سينيكا: “ليس الأمر أن لدينا وقتاً قصيراً لنحياه، بل أننا نهدر الكثير منه.” الحرية المطلقة والوقت المفتوح يولّدان الشلل والتردد، بينما القيود — عندما نضعها بوعي — هي ما يولّد الإبداع والتركيز.

 

كيف ينعكس هذا الفهم على كفاءتك المهنية اليومية؟

أولاً — وهم المثالية: نحن نطلب وقتاً إضافياً بحجة “تجويد العمل”، لكننا في الواقع نستخدم هذا الوقت الإضافي في تصفح هواتفنا، والشك في قدراتنا، وإعادة صياغة جملة واحدة عشر مرات دون إضافة قيمة حقيقية للنتيجة النهائية.

 

ثانياً — قوة القيود المصطنعة: الرياضيون المحترفون يتدربون بارتداء أوزان إضافية (قيود) لرفع كفاءتهم. المهني المحترف يحتاج إلى فرض “مواعيد تسليم مصطنعة” (Artificial Deadlines) تسبق الموعد الحقيقي، ليخلق لنفسه “الضغط الإنتاجي” الذي يستخرج أفضل ما لديه.

 

في النهاية…

الوقت لا يُنجز العمل — الضغط هو من يُنجزه. وأحياناً أفضل ما تفعله لمشروعك ليس منح نفسك وقتاً أكثر، بل تضييق الوعاء.

 

الكاتب: عبدالله الزهراني

تحرير وإعداد: إنعام مصطفى

التعليقات (0)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


The reCAPTCHA verification period has expired. Please reload the page.

أحيانًا تحس إنك تعبان..

لكن ما تقدر توقف لأنك تحاول تصنع شيء، بس البيئة ما تساعدك!